محمد بن جرير الطبري

34

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فاغفر لي زلتي في مسألتي إياك ما سألتك في ابني ، وإن أنت لم تغفرها لي وترحمني فتنقذني من غضبك أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ يقول : من الذين غبنوا أنفسهم حظوظها وهلكوا . القول في تأويل قوله تعالى : قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : يا نُوحُ اهْبِطْ من الفلك إلى الأرض بِسَلامٍ مِنَّا يقول : بأمن منا أنت ومن معك منا إهلاكنا ، وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ يقول : وبركات عليك ، وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ يقول : وعلى قرون تجيء من ذرية من معك من ولدك ، فهؤلاء المؤمنون من ذرية نوح الذين سبقت لهم من الله السعادة وبارك عليهم قبل أن يخلقهم في بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم . ثم أخبر تعالى ذكره نوحا عما هو فاعل بأهل الشقاء من ذريته ، فقال له : وَأُمَمٌ يقول : وقرون وجماعة ، سَنُمَتِّعُهُمْ في الحياة في الدنيا ؛ يقول : نرزقهم فيها ما يتمتعون به إلى أن يبلغوا آجالهم . ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ يقول : ثم نذيقهم إذا وردوا علينا عذابا مؤلما موجعا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي : قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ إلى آخر الآية ، قال : دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ودخل في ذلك العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو داود الحفري ، عن سفيان ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي : قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ قال : دخل في السلام كل مؤمن ومؤمنة ، وفي الشرك كل كافر وكافرة حدثني المثني ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك قراءة عن ابن جريج : وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ يعني ممن لم يولد ، قد قضي البركات لمن سبق له في علم الله وقضائه السعادة . وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ من سبق له في علم الله وقضائه الشقاوة حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج بنحوه ، إلا أنه قال : وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ متاع الحياة الدنيا ، ممن قد سبق له في علم الله وقضائه الشقاوة . قال : ولم يهلك الولدان يوم غرق قوم نوح بذنب آبائهم كالطير والسباع ، ولكن جاء أجلهم مع الغرق حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ قال : هبطوا والله عنهم راض ، هبطوا بسلام من الله ، كانوا أهل رحمة من أهل ذلك الدهر . ثم أخرج منهم نسلا بعد ذلك أمما ، منهم من رحم ، ومنهم من عذب . وقرأ : وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ وذلك إنما افترقت الأمم من تلك العصابة التي خرجت من ذلك الماء وسلمت حدثنا عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ الآية ، يقول : بركات عليك وعلى أمم ممن معك لم يولدوا ، أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة . وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ يعني : متاع الحياة الدنيا . ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة حدثني المثني ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن حميد ، عن الحسن : أنه كان إذا قرأ سورة هود ، فأتى على : يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ حتى ختم الآية ، قال الحسن : فأنجى الله نوحا والذين آمنوا ، وهلك المتمتعون حتى ذكر الأنبياء ، كل ذلك يقول : أنجاه الله وهلك المتمتعون حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ قال : بعد الرحمة حدثنا العباس بن الوليد ، قال : أخبرني أبي ، قال : أخبرنا عبد الله بن شوذب ، قال : سمعت داود بن أبي هند يحدث عن الحسن أنه أتى على هذه الآية : اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ قال : فكان ذلك حين بعث الله عادا ، فأرسل إليهم هودا ، فصدقه مصدقون وكذبه